ابن كثير

39

طبقات الشافعية

ويرتّبها بحسن ألفاظه لاقتداره على العربيّة ، وأمّا الشّافعي فقد كان عند محمّد بن الحسن كثيرا في المناظرة ، وكان رجلا قرشيّ العقل والفهم والذّهن ، صافي العقل والفهم والدّماغ ، سريع الإصابة ، أو كلمة نحوها ، ولو كان أكثر سماعا للحديث لاستغنت أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم عن غيره من الفقهاء ، وقال أبو بكر محمّد بن إبراهيم بن علي : سمعت خضر بن داود سمعت الحسن بن محمّد الزّعفراني يقول : قال محمّد بن الحسن : إن تكلّم أصحاب الحديث يوما فبلسان الشّافعي لما وضع من كتب ، رواه ابن عساكر . وقال ابن أبي حاتم : أخبرني أبو عثمان الخوارزمي نزيل مكّة فيما كتب إليّ محمّد بن عبد الرّحمن الدّينوري قال : سمعت أحمد بن حنبل قال : كانت أقفيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع حتّى رأينا الشّافعي ، وكان أفقه النّاس في كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما كان يلقنه كان قليل الطّلب في الحديث . قلت : معنى قلّة طلبه للحديث أنّه لم يكثر السّماع على مشايخ الحديث ولم يعن في الرّحلة فيه ، بل كان عنده علوم كثيرة وبلاغ عظيم ؛ وقد سئل إمام الأئمّة محمّد بن إسحاق بن خزيمة ، هل تعلم علما لم يبلغ الشّافعي قال : لا ، قلت : ومعنى هذا أنّه ليس ثمّة سنّة معتمد عليها في الأصول والفروع إلّا وقد بلغت الشّافعي لكن لم تبلغه من وجه يرضيه فلذلك يقف في بعضها أو يعدل عنها أو يعلّق القول على صحّتها واللّه أعلم . وقال الحافظ أبو أحمد بن عدي : حدّثنا زكريّاء السّاجي حدّثني داود الأصبهاني سمعت إسحاق بن راهويه يقول : لقيني أحمد بن حنبل بمكّة فقال : تعال حتّى أريك رجلا لم تر عيناك مثله قال : فجاء فأقامني على الشّافعي . وهذا صحيح وقد تقدّم مع غيره . وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ أنبأني أبو عمرو ابن السّماك شفاها أنّ عبد اللّه بن أحمد حدّثهم قال : قال لي : إنّي كنت أجالس محمّد بن إدريس الشّافعي فكنت أذاكره بأسماء الرّجال وكان أبي يصف الشّافعي فيطنب في وصفه ، وقد كتب أبي عنه حديثا ، وكتب من كتبه بخطّه بعد موته أحاديث عدّة ممّا سمعه من الشّافعي رضي اللّه عنه .